الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
113
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الله عندما يصيبه الضر ويتعرض للشدائد . لكن هذا اللجوء مؤقت ، إذ ما إن يتفضل عليه البارئ عز وجل ويكشف عنه الضر والشدائد ، حتى يتبجح ناكرا لهذه النعم ، وزاعما بأنه هو الذي أنقذ نفسه من ذلك الضر ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم ( 1 ) . نظير هذا الكلام نقله القرآن في الآية ( 78 ) من سورة القصص عن لسان " قارون " عندما نصحه علماء بني إسرائيل بأن ينفق مما من الله به عليه في سبيل الله ، إذ قال : إنما أوتيته على علم عندي . إن أمثال هؤلاء الغافلين لا يتصورون أن العلوم والمعارف التي يمتلكها الإنسان إنما هي نعمة إلهية ، فهل أن هؤلاء اكتسبوا العلم الذي كان يدر عليهم الأموال الطائلة من ذاتهم ؟ أم أنه كان في ذاتهم منذ الأزل ؟ بعض المفسرين ذكروا احتمالا آخر لتفسير هذه العبارة ، وقالوا : إن النعم التي من بها البارئ عز وجل علينا إنما من بها علينا لعلمه بلياقتنا واستحقاقنا لها . ومع أن هذا الاحتمال وارد بشأن الآية مورد بحثنا ، لكنه غير وارد بشأن الآية الآنفة التي تحدثت عن قارون ، خاصة مع وجود كلمة ( عندي ) وهذه أحد القرائن لترجيح التفسير الأول للآية التي هي مورد البحث . ثم يجيب القرآن الكريم على أمثال هؤلاء المغرورين ، الذين ينسون أنفسهم وخالقهم بمجرد زوال المحنة وتوفر النعمة ، قائلا : بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون . فالهدف من ابتلائهم بالحوادث الشديدة والصعبة ، ومن ثم إغداق النعم الكبيرة عليهم هو اظهار خباياهم والكشف عن بواطنهم .
--> 1 - " خول " : من مادة ( تخويل ) وتعني الإعطاء على نحو الهبة ، وقد شرحت بالتفصيل في ذيل الآية الثامنة من هذه السورة ( الزمر ) ، ضمير ( أوتيته ) رغم أنه يعود على ( نعمة ) فقد جاء بصيغة المذكر ، لأن المقصود منه ( شئ من النعمة ) أو ( قسم من النعمة ) .